أحمد ياسوف
99
دراسات فنيه في القرآن الكريم
الدكتورة عائشة عبد الرحمن ، فنحن كثيرا ما نكون إزاء عبارات مطلقة مكرورة المعاني لا تعذب عن إطار الإجمال مثل قوله : « خارج عن الوحشي » ، ونحن لا نعرف كيف يرى الوحشي والمستأنس ، ولا يقدم معيارا نستوحش به كلمة أو نأنس بها ، ومن هذا قوله : « يسابق المغزى منه عبارات إلى النفس ، وهو مع ذلك ممتنع المطلب عسير المتناول » « 1 » . ولا نظن أنه كان يجهل المعيار الذي نطلبه ، ولكنه كان في عصر فصاحة ، تفترض أن القارئ يفهم كلامه بسهولة ، لأن مقرراته البلاغية العربية واضحة عند المثقفين الكثر في عصره . نقرأ هذا وأضرابه متعجبين ، لأن الباقلاني ينوّه بوجود دقائق بلاغية تخفى على أفهام العامة ، ولا يدركها القارئ العابر ، فهي تحتاج إلى دقة نظر وتمحيص ، وهذا ما تلقّفه الدارسون بعده ، إذ صرّحوا بأن البلاغة القرآنية تتجلى لمتفهم العربية وفنونها ، وهو الذي يقول : « ألا ترى أن الإعجاز في بعض السور والآيات أظهر ، وفي بعضها أغمض وأدقّ » « 2 » ، فينبغي إذن ذكر المعيار الجمالي بدلا من الإسهاب في الإجمال . ولم تنحصر هذه النظرة الإجمالية في الباقلاني ، فقد وصلت إلى دارسي القرون التالية مثل ابن قيم الجوزية صاحب « الفوائد » ، وتفشت في كتب فترة التعقيد البلاغي والحواشي ، وهذا الإجمال يظهر على اختلاف شخصية الدارس ، فكثيرا ما نجد أحدهم يروي بيتا شعريا ، ثم يرجّح عليه آية قرآنية بقوله : إنها أفضل ، من غير معرفة بميزات الترجيح وعوامله ، وهذا تقصير غير مستحب خصوصا مع نص مقدس وهو القرآن الكريم .
--> ( 1 ) إعجاز القرآن ، للباقلاني ، ص 255 . ( 2 ) إعجاز القرآن ، الباقلاني ، ص 255 .